مقتنيات شخصية

كل شئ ولا شئ

Posts tagged ديوان القصص

Mar 26

الكاتب البلغاري ايلين بيلين - ريشة النسر

 

كنت طفلاً، وكنت أعدو ذات يوم في المروج فوجدت ريشة نسر، كانت ريشة جميلة وكبيرة، من كان أسعد مني بها وقتذاك؟
رفعت الريشة بيدي عاليًا وعدوت بكل ما أتيت من قوة، إذ كان يخيل إليَّ أني أطير بخفة النسر.
أصبحت شابًا، فعلقت ريشة النسر على قبعتي وتوددت إلى أجمل فتاة في العالم من كان أسعد مني وقتذاك؟
غير أني كنت فقيرًا، لا أملك سوى ريشة النسر تلك، فتركتني فتاتي الحبيبة، إذ قالوا لها أنه لا يمكن للمرء العيش فقط بريشة نسر جميلة، وقد أيقنت روحها الأنثوية ذلك بسهولة.. لم يكن هناك أتعس مني حينئذ.
خبأت ريشة النسر، ولم يطاوعني قلبي أن أحملها بعد ذاك، واشتد الحزن في روحي حزنًا لم أستطع دفعه بشئ، عندها بدأت أدرك أن جميع الناس يعانون مثلي أو ربما أكثر مني.
لماذا هي الحياة بائسة إلى هذا الحد؟
أخرجت ريشة النسر من جديد، غير أني لم أكن طفلاً لألهو بها، ولا شابًا لأتزين، عند ذاك حددت طرفها لأصنع منها سنًا للكتابة.
وأردت أن أكتب شيئًا مرحًا، غير أن الحزن تدفق من نصي.


Dec 30

مقطع من رواية “بيت الياسمين” لإبراهيم عبد المجيد

أصابتني سورة جنس موتورة فأخذت أدور على المكاتب أتلصص على سيقان النساء، أجلس مع من أعرفهن أختلق الأحاديث التافهة عن المسلسلات، وأطل غلى صدورهن من خلف الثياب، أتشمم عطرهن الرخيص الفاقع، وأتصورهن في أوضاع الجماع مع أزواجهن الذين أعرفهم من موظفي الشركة، أو لا أعرفهم من خارجها. وفي البيت أقمت لنفسي “سراية” من الخلوات الجنسية المتخيلة، وتقدمت في إتقانها حتى صرت أنزف قوتي دون أن تلمس يدي حيواني.

جاءني الدكروري فراعه أن ذقني طالت وشعري تلبد من قلة الغسيل.

- يجب أن تتزوج يا شجرة

ابتسمت ساخرًا.

- لديك شقة فماذا تنتظر؟ إنك أفضل مني حالاً.

لم أرد.

- فلوس؟ قادمة في الطريق. جهّز نفسك. وصل بيجين إلى الأسكندرية كما تعرف وسينتقل بعد غد من مقر رأس التين إلى المعمورة حيث استراحة الرئيس. الشركة ستشارك في التحية على طريق جمال عبد الناصر.

طز. كدت أصرخ في الدكروري. أنهض فأحمله ألقي به من النافذة إلى الطريق المنخفض خلفنا. يعرف عنى كل شئ ولا يحتج. لا يطلب شيئًا لنفسه. أي نوع من البشر هو؟ ليس قديسًا ولا ملاكًا ولا شيطانًا. لا يستحق الشكر ولا اللعنة. ومن أنا بالضبط؟ لا أعرف أصلاً أن بيجين وصل إلى الأسكندرية. لم أعد أشتري صحفًا وأغلق التلفزيون كلما وجدت نشرة أو برنامجًا إخباريًا. إنني أبحث عن النساء، عطر النساء، عَرَق النساء، سيقان النساء، شفاه النساء، وصدورهن، وأفكر في شراء تليفزيون ملون حتى أرى لحمهن ساخنًا. وبيجين هذا هو الذي طرد الله من أرضه حول مساكن البلدية بكوم الشقافة وهو الذي ملأ الأرض بخيام الإيواء. أنا لست حمارًا كما تتخيلون.. إنني أفهم وأفهم وأعماني أمل بسيط جدًا أن أجد امرأة أتزوجها فتزداد عزلتي وأعيش لها ولأبنائها ويزداد غبائي. هذا الأمل لا أحصل عليه ودائمًا أنساه. أنا شجرة محمد علي الطويل الأسمر صاحب الوجه الخاطف ذي العينين العسليتين، القوي البنيان كحائط، تتجلط الرجولة في عروقي تكاد تشق عنها الجلد وتجعل دمي نارًا وتنسكب مني بالإشارة، لدَّي شقة، وأكثر من خمسمائة جنيه في البنك، ولا أم ولا أب ولا إخوة ولا أعرف لي أقارب، أنا شجرة محمد علي، لا أجد امرأة. ألا توجد فتاة زميلة تقدم لي أختها أو صديقتها زوجة. ما بال النساء يتخلين عن دورهن التاريخي في اصطياد الرجال؟ ويريدون أن أستقبل بيجين . اتفوه ! سأستقبل بيجين وأم بيجين .. سأجعل العمال يحيونه. لن أسرقهم هذه المرة.


Dec 19

Nov 15

Mar 16

إبراهيم عبد المجيد - صائد المجانين

لماذا يكثر ظهور المجاذيب في المدينة صيفًا؟ لا يكفي صفاء الجو سببًا لذلك. الوقت الآن ليس صيفًا، لكنه توقع ظهور أحدهم، وكالعادة ظهر بعد توقعه بثوا، ورآه يأخذ طريقه إليه وهو واقف تحت المظلة. لقد نمت لديه حاسة غريبة تنبئه بظهور المجاذيب فيظهرون، ولقد جرب أن ينتبه لذلك الحدس المفاجئ الذي يتمدد في صدره مباغته ملعنًا ظهور مجذوب، ووجده دائمًا صادقًا. وحين جرب أن يعلن لنفسه، بإرادته، ظهور المجذوب، خاب ظنه. يغافله الإحساس في البداية، ولا يشعر به إلا بعد أن يكون قد ملأ الصدر بقلق مجهول المصدر، وملأ الفكر بحيرة مباغتة، ثم يراه أمام عينيه، الحدس نفسه يضئ، معلنًا ظهور المجذوب الذي ما يلبث أن يظهر. بعد ذلك يتجه المجذوب إليه. إنه لا يحدس ذلك. إنه يعرفه معرفة يقينية من زمان !!
يبتسم في كل مرة يرى فيها مجذوبًا يتجه نحوه حتى يبدو أن المجذوب قد انحرف عنه، يظهر في النهاية، أنه، المجذوب، اختار قوس دائرة كبير ينتهي إليه.
كانت البداية في طفولته، حين كان أبوه يصحبه معه في مشاويره، لا ينسى كيف كان أبوه يقف على محطات الأوتوبيس أو الترام أو القطار شاردًا دائمًا. كان يمكن له أن ينساه. ولقد حدث أكثر من مرة أن تحرك الأب ولحق هو به أن صرخ يناديه فانتبه الأب وتوقف. يمسك الأب بعد ذلك بيده الصغيرة ولا يتركه إلا في البيت.
لا يذكر أول مرة رأى فيها مجذوبًا، فقط يذكر أنهم كانوا كثيرين في شوارع المدينة، في الصيف والشتاء وسائر الفصول. ويذكر أنه لم يجد مرة اختلاف في نظرتهم السعيدة، ولا في قدمى أحد منهم حذاء، ولم يحدث أن رأى أحدهم في جلباب نظيف، دائمًا هم منكوشو الشعر. لم ير جنازة لمجذوب ذي شعر أبيض. لعلهم يموتون مبكرين، لم ير جنازة لمجذوب أصلاً. يسمع أنهم يموتون في حوادث الطرق، أو غرقًا في البحر والترع.
على أي حال لقد تشابهوا في كل شئ إلا طول ذقونهم. الجميع يتركونها. لكن هناك من كان حليق الذقن دائمًا. وظل الأمر يحيره. تمامًا كما حيرته في البداية عيونهم التي هي غالبًا حمراء كعيون القطط في الظلام.
عندما تقدم أول مجذوب نحوه جفل وتراجع بسرعة ممسكًا بساق أبيه، “لا تخف، هذا مبروك”. ولم ينس تعليق أبيه أبدًا. رأى أباه يخرج من جيبه قطعة معدنية، لابد أنها كانت قرش صاغ، ويعطيها للمجذوب الذي راح يضغط عليها بأسنانه، ثم يبتسم لأبيه، ومشى مستمرًا في الضغط عليها بالأسنان حتى ظنه سيأكلها.
لم ينس كلمة “مبروك” عن المجاذيب لكنه ظل خائفًا منهم. في الثامنة، هكذا تقول أمه دائمًا، كان قد خرج معها في صحبة جدته القادمة من الريف. حين قابلهما أحد مجاذيب المدينة وأمسك بجلباب أمه، لكن جدته قالت “لا تخف إنه مبروك”، تمامًا كما قال أبوه من قبل، لكنها فعلت ما لم يفعل الأب. أمسكت بيد المجذوب ومشت بها على رأسه هو. كان المجذوب يضحك بصوت هادئ ممتد، وانطلق يمشي مبتهجًا يقفز في الفراغ، بينما كان هو يرتعش، ويقاوم البكاء.
لماذا فعلت جدته ذلك به؟ لنقل البركة من المجذوب إليه. هكذا سمعها تقول. لتضمن له عمرًا أطول. لكنه نادرًا ما يتذكر ذلك. وبالقطع هو يدرك الآن أنه لا معنى لذلك أيضَا لكن هل يكون ما فعلته جدته هو سبب إتجاه المجاذيب إليه كلما مروا من أمامه في أي مكان وأي وقت في المدينة؟ عادة يقترب البهلول منه يتأمله بدقة، ثم يمضي. يبدو كمن كان يتعرف عليه، واطمأن أنه هو ما يبحث عنه، اطمأن على وجوده لذلك يمضي سعيدًا رافضًا أي نقود يقدمها هو بدوره إليه. يحدث ذلك حين يكون وحده واقفًا أو ماشيًا على طريقه، أو حين يكون بين أصحابه في المقهى أو في نزهة أو في أي مكان. لقد كان يظن أن ذلك مرتبط بمدينته فقط، لكنه حين انتقل إلى القاهرة التي رأى مجاذيبها أكثر، ظل الحال كما هو عليه لم يتبدل، يحدس ظهور المجنون ويتجه إلي يصافحه أو يبتسم له بعد تفصحه. لماذا يزداد المجاذيب في القاهرة، ربما لكثرة مساجدها والأصح لأنها محاصرة بالريف، من الشمال والجنوب، ومن الريف يأتي أكثر المجاذيب إلى المدن. أجل، هؤلاء المجاذيب ليسوا أبناء المدينة، إنهم غفل تمامًا. إنهم أهل الريف في حالة غير مكتملة. لقد صار خبيرًا في أنواع المجاذيب. هكذا يخيل إليه. لكنه ظل دائمًا مهتمًا بأن يعرف لاقتراب المجاذيب منه سببًا آخر غير ما فعلته جدته، أجل، لابد من وجود سبب مقنع. هل يكون لديه استعداد خفي للجنون يراه هؤلاء البهاليل؟ قال ذلك لأصحابه أكثر من مرة وهو يضحك، لكنه حين ينفرد بنفسه، خصوصًا بعد أن ينتصف الليل، في اللحظات المتفردة من الصمت الجليل الذي يشغى الدنيا، كان يشعر بشئ من الصحة فيما يقوله لأصحابه من إنه كثيرًا ما رأى نفسه يمشي أمامه مجذوبًا! .. أو نائمًا فوق سطح البيت، تمامًا كما فعل السيد البدوي، زاهدًا في الطعام والشراب، ولا يكف عن الصياح حتى مات! لكنه لم يكن يحب أن يصدق ذلك. إنه يميل إلى تفسير حماته حين حدثتها إبنتها عن ظاهرة اجتذاب المجاذيب إليه، قالت حماته: إن في وجهه ألفة وطيبة، لكن الإبنة، وزوجته الآن، قالت إن أمها لا تريد أن تقول صراحة إن في عينيه بريقًا جذابًا لا يختلف عن البريق الذي في عيني المجانين. إنه لا ينسى كيف نهرت حماته إبنتها، زوجته الآن، حيث يحب أن يؤكد ذلك لنفسه دائمًا بعنف وجدية وأمرتها ألا تعود لمثل هذا القول. لكنه حين عاد إلى البيت، ولم يكن قد تزوج بعد تلك الليلة التي دار فيها هذا الحديث، جعل ينظر في المرآة التي ينظر فيها كل يوم. لم يجد أي علامة على الجنون، لكنه لم ينقطع عن النظر في المرآة بين وقتٍ وآخر، ومن المؤكد أنه كا يفعل ذلك لوقت طويل في مساء كل يوم يقابل فيه مجذوبًا في الصباح، ومرة بعد مرة لاحظ حزنًا شفيفًا ينمو على وجهه، وفي قلب عينيه، حزن جميل يدفع برقة بالدمع إلى عينيه بلا سبب. وتذكر بقوة اليوم الذي قربته فيه جدته من المجذوب، كان يتذكر كلام أمه عن ذلك اليوم، لكنه الآن تذكر الحادث نفسه. رآه رأى العين حقًا. أحس بيد المجذوب، وهرير ضحكته! وأسنانه غير المنتظمة، ورآه يقفز في فراغ الشارع، كان الوقت مساءً، المصابيح الكهربائية تلقي بضوءها الأصفر على جلباب المجذوب القاتم. إنه يرى الآن حتى تشقق كعبي قدمي ذلك المجذوب. وأمسك بنفسه أكثر من مرة متلبسًا بالرغبة في أن يسافر إلى مقام السيد البدوي. وأمام ضريحه إذ سافر بالفعل، فكر كيف حقًا استطاع المرور من بين كل أولئك المجاذيب الذين قابلهم في الطريق منذ نزل من القطار إلى المحطة. خيّل إليه أن مدينة طنطا هي مركز مجانين العالم، وأنها هي التي تقذف المدن الأخرى بالمجانين وفكر أن يتحرى هذه الحقيقة بأن يسافر إلى مدينة “دسوق” ويقارن نفسه بين مجانين سيدي إبراهيم ومجانين السيد البدوي، ويرحل إلى وجه قبلي، إلى قنا وسيدي عبد الرحيم القناوي، وإلى أسوان وسيدي الشاذلي، وإلى كل بقعة فيها ولي له اتباع ومحبون عقلاء ومجانين، ولما بدأ يصعد إلى سطح البيت في أوقات متفرقة تساءل: هل الجنون مرض معد؟ لم يحدث من قبل أن صعد إلى سطح العمارة التي يسكنها، حتى إيريال التلفزيون الخارجي لم يشتره، استخدم الإيريال الداخلي الصغير الأنيق، واكتفى من التلفزيون بقناة واحدة تمنى أن تختفي بدورها. لم يسمع من قبل عن مجنون أصاب عاقلاً بالعدوى. عليه إذن أن يحذر، لا يترك قدميه تسوقانه إلى السطح فذلك في ما يبدو تحقيق لرغبته المكبوتة أن ينهي حياته على طريقة السيد البدوي، وأن يكف عن الذهاب إلى موالد الأولياء، أن يستمع إلى كلام زوجته التي يراها تتألم من أجله. الآن تحذره. تقول له إنها كثيرًا ما تسمعه يبكي بالليل. إنها تستقيظ فزعة على صوته. يندهش من كلامها عن ارتفاع الصوت. يقول لها إنه يفعل ذلك بصوت لا يكاد يسمعه أحد. تسأله لماذا يفعل؟ يقول إنه لا يعرف سببًا محددًا. لا يعرف ما الذي يوقظه وما الذي يدفعه للبكاء، تقول إنه لا يليق به أن يبكي من الأصل. وهو بدوره يدرك أن كلامها صحيح، لكنه لا يستطيع أن يحدثها عن تلك الأيدي البيضاء المنيرة التي تأتي من السماء تربت على كتفه وتمضي، وهو يكاد يرتفع عن الأرض رغبة في اللحاق بها لكن العجز يصيبه فينظر حوله ساكنًا فلا يرى إلا الضوء الذي صاحب الأيدي الكريمة وهو يزداد شدة فوق مدينة تنام. إن شدة الضوء تصل إلى الدرجة التي تحمله إلى التلاشي. إلى العدم ذاته. إلى منطقة أشبه بمناطق انعدام الوزن. نوع من الأثير الذي يلحق به الإنسان في فترة نقاهة من مرض. أثير مشبّع بالفرح الطفولي يدخله خفيفًا ويعود منه خفيفًا فيتسلل من الغرفة إلى الصالة حيث المرآة الكبيرة المثبتة في الحائط ويضئ النور بعد أن يحكم إغلاق باب غرفة النوم على زوجته، وباب غرفة نوم ولديه، فلا يصل إلى أي منهم ضوء يمكن أن يوقظه. يشرع في النظر إلى المرآة. يدرك أنه لم يضئ النور. وجده في الأغلب مضاءً من مصدر غير مرئي. يقفز. يقفز في فراغ الصالة يكاد رأسه يصطدم بالسقف. يزداد خفة ويشرع في البكاء وهو يشعر بجسده يشف ويرّق ليصير خيطًا في فضاء نسيم.. ترى هل هكذا يكون البهاليل. هل الخفة من مظاهر العته؟ يا للسعادة التي تشع في روحه وجسده! هل قال ذلك؟ إنه لا يشعر إلا بأنه روح خالص.
حدثته زوجته عن ذلك الرجيم القاسي الذي فرضه على نفسه. لم يفعل ذلك حقًا. فقط صارت نفسه تعاف الطعام. إنك تفقد الكثير من وزنك في وقت قياسي وهذا خطر! هكذا تقول زوجته وهو يزداد سعادة يومًا بعد يوم، ويتمدد فيه حنين إلى شئ مجهول.
الحنين، الحنين، ذلك الضوء السحري الذي يسري في أجساد الشيوخ، بات يشتعل في جسده هو الذي لم يصل إلى الأربعين بعد. لكن إلى أي شئ يحمله الحنين. لا يدري بالضبط. لقد صار مبتسمًا طول الوقت. فرحان باللقاء مع اللاشئ. عيناه الآن لا تنزلان عن الأرض. يراه الناس في الشوارع يوقف المجانين وينظر في عيونهم ويضحك. يتملى في عيونهم لوقت طويل ثم يمضي ضاحكًا ومسرعًا ومبتعدًا. لم يعد ينتظر المجذوب حتى يقترب منه كما كان يحدث في الماضي، هو الذي يتقدم نحو المجذوب يتأمل عينيه لبعض الوقت ثم يتركه ويجري بعيدًا، هو حقًا الذي يوقف المجذوب، وهو حقًا الذي يبدأ في النظر إليه. هكذا يراه الناس، لكنه يشعر فجأة بنظرات المجذوب وكأنما هو المجذوب الذي يبدأه بالنظر فيفر من أمامه! احمرت عيناه هو أيضًا وبللها الندى المترقرق. لم يكن ذلك أبدًا من غبار الخماسين التي بدأت تهب على المدينة. ولا حزنًا على زوجته وولديه الذين بحثوا عنه في شوارع المدينة وكلما عثروا عليه هرب من أمامهم واختفى. كان دائمًا بعد أن يختفي، يقف لحظات متألمًا، يذكرهم بلا شك، صورة غائمة قديمة لزوجة لا تكف عن الضحك والطفلين لا يكفان عن المرح. لكن لا يقين الآن. تهب الريح فيمشي في مواجهتها، لا تنتهي ولا يكف عن المشي في مواجهتها. يريد أن يجد منفذًا منه إلى مصدر الريح. دائمًا تواجهه المباني تسد الطرقات. لكنه وجد أخيرًا طريقًا يخرجه من المدينة إلى الفضاء الواسع. ترامت أمامه الصحراء ورأى بعينيه دوامات الغبار الخماسينية، ترقص بلا نهاية فراح يرقص هو أيضًا طربًا ويجري آخذًا طريقه وسط الرمال.


1995

من مجموعة “سفن قديمة” - مكتبة الأسرة 2004


Feb 26

محمد البساطي - مبارزة

جاء من يهمس للحاج شلبي أن الأسمر يريد لقاءه. أطرق الحاج قليلاً، كان يجلس بجوار نافذة المقهى المفتوحة على النهر وسرب من البط والأوز يسير في تثاقل على الشاطئ نافضا ريشه المبلل. كانت لحظة سريعة شردت فيها نظراته بعيدًا كأنما يستعيد أمجاد الأيام القديمة. ابتسم وكور المسبحة في قبضته ووافق.
كان قد سمع الكثير عن الأسمر. الرجل الذي لم يهزم أبدًا. هو أيضًا كان يشتاق للقاءه. وحين كانوا يحكون أمامه عنه يراوده شعور غامض بأنه سيأتي يوم قريب ويلتقيان.
في اليوم المحدد للقاء أخذ قيلولة طويلة، وسمح لإمرأته أن تحممه، أسلمها جسده متعجبًا من نفسه. هو الذي لا يطيق الجلوس معها طويلاً. كان يشعر بهدوء لم يحسه من زمن. أجلسته على المقعد الصغير في الحمام الضيق، وأشعلت بخورًا في الركن. ضايقته رائحته غير أنه سكت، تدور حوله بالليفة والصابون فرحة بجسده العاري، تثرثر كثيرًا على غير عادتها. ضحك حين غسلت تحت إبطيه، ضحكت هي أيضًا، أرادت أن تعيد الكرة فنهرها، جففته، مشطت شاربه، سوت بالمقص الشعيرات النافرة، وبرمت طرفيه بلمسة من الدهان، يجلس أمامها محدقًا في وجهها الذي جرت فيه دفقة من الحماس، ورعشة خفيفة حول أنفها وشفتيها المرتخيتين، كانت لا تزال بجلبابها المبلل وقد التصق بثدييها الكبيرين فبدت حلمتاهما منتصبين بلونها الداكن.
وأراد أن يتناول عشاءً خفيفًا حتى لا يثقل معدته. رفضت بشدة. قالت إن أمها كانت تعد لأبيها طاجن اللحم الملبس بالدهن وتحمله إلى سطح البيت، ويأتي عليه كله وهي بجانبه ترص له الجوزة، الحجر بعد الحجر، أصرت ليلتها أن يتناول فخذ الضأن التي اشترتها بنفسها. تمشي على طرفي قدميها. تتمايل  حذرة في دلعها كأنما تخشى نفوره المفاجئ. يداها في وسطها تشدان جانبي الجلباب الذي لا يزال مبللاً، فليصق ببطنها الكبير معريًا تعرجاته، ويطرف أصبعها تزيح خصلة من شعرها المنكوش تنزلق من حين لآخر على عينها.
أخرجت له جلبابًا من الصوف الخفيف كان يحتفظ به لصلاة العيد وشالا أبيض سوت شراشيبه على صدره. ناولته عصاه ذات المقبض العاجي. ووقفت بالباب تهمس له بالدعاء له، وابتعد في عتمة الليل.
كانت تقترب من الحادية عشرة موعد اللقاء، أراد أن يتصل متأخرًا قليلآ. سار على شاطئ النهر يملأ صدره بالهواء ويطلقه في نفثات قصيرة متلاحقة. كان نوعًا من التدريب اعتاده فيما مضى من الأيام. يذهب ويعود وأضواء المقهى تتلالأ في الظلمة على بعد. وعندما قصده أخيرًا رأى حنطورًا مطوى الغطاء يقف أمامه والجواد يدس خطمه في شيكارة النخالة. صعد درجتي السلم ودخل.
كان الأسمر يجلس في صدر المقهى مسترخيًا على مقعد مبطن وعباءته البنية على ظهر المقعد، يرافقه اثنان يجلسان على جانبيه. نهض مرحبًا به. تفحص كل منهما الآخر وشد على يده، كان ممتلئًا بصدر ضخم، والعمامة تلتف بشدة حول رأسه، يفوح منه عطر له رائحة المستكة. خلا المقهى من زبائنه، خرجوا بعد دخوله بقليل، وجاء آخرون، هؤلاء الذين سيحكون لشهور طويلة عما رأوه. جلسوا صامتين في وسط المقهى.
أغلقت الأبواب الجانبية، وظل الباب الكبير مفتوحًا على النهر، واكتفوا بضوء كلوب واحد كان معلقًا فوق رؤوسهم، نهض رفيقا الأسمر وانتقيا جوزتين من خلف الناصية، وجاء صاحب المقهى ليقف بجواره، وشاركهما اختبار الجوزتين، واتفق الثلاثة على أن تكون الدورة أربعين حجرًا.
كان الأسمر في مواجتهه مسبلا عينيه وابتسامة خفيفة على جانب فمه. وضعوا منضدة صغيرة بجوار كل منهما، وطلب منه صاحب المقهى أن يخرج قطعته. مد يده في جيب الصديري وأخرج القطعة الملفوفة في ورقة السلوفان. تشممها صاحب المقهى وقضم رأس دبوس من طرفها. تذوقها لحظة ثم ناول القطعة لرفيقي الأسمر. مد الأسمر اصبعين إلى جيبه العلوي وأخرج لفافته، أعطاها لرفيقيه، اختبراها وناولاها لصاحب المقهى. اتفق الثلاثة على أن القطعتين من نفس الصنف. تمت الأسمر:
-    مثلنا لا يخدع.
ومال قليلاً إلى الأمام وسأله عن إسم تاجره فقال:
-    سمعان.
زفر راضيًا وهمس:
-    هذا ما ظننته. أنا أيضًا.
-    لا يوجد الآن غيره تطمئن إليه.
-    آه . ويعرف قدر الناس.
-    يتصل بك قبل أي واحد آخر.
-    يفهم مزاجك. ويقول هذه لا يعرف قدرها إلا فلان.
-    صحيح.
كا رفيقا الأسمر ومعهما صاحب المقهى يعدون المكان. وتطوع واحد من الأهالي الجالسين غير بعيد ليكون مع صاحب المقهى. أبعدوا المقاعد، وصنعوا دائرة مريحة من الفراغ حولها. وضعوا وعاء النار بين المنضدتين، ورصوا على كل منهما أربعين حجرًا عامرة. تربع أحد رفيقي الأسمر بجوار مقعده، أمسك الجوزة ومد الغابة إليه. تناولها الأسمر بإصبعين في تثاقل، لعق طرفها وعيناه شبه المغمضتين تنظران حوله، وتربع صاحب المقهى بجانبه مثل الآخر.
انتهت الدورة الأولى سريعًا، كان الأربعة القائمون على خدمتهما يتناولون الحجر بعد الإنتهاء منه ينظفونه ويضعونه جانبًا. استراحا قليلاً قبل البدء في الدورة الثانية. كانوا يعدون الثمانين حجرًا على المنضدتين، وخلف الأسمر وقف أحد رفيقيه وأخرج جريدة مطويه من جيبه أخذ يحرك بها الهواء فوق رأسه، وحين رأى صاحب المقهى ذلك أسرع إلى خلف الناصبة وجاء بجريدة قديمة ووقف وراءه، غير أنه رفع يده ومنعه، قال الأسمر.
-    خمس سنين وأنا أسمع عنك. وقلت سيأتي اليوم ونتلاقى.
في الدورة الثانية مال رفيقه الذي يحرك الهواء فوق رأسه وهمس له. وابتسم الأسمر. رمقه بجانب عينه. سحب نفسًا طويلاً فطقطق حجر جوزته واندلعت منه ألسنة النار. هلل رفيقاه وكبرا، تمايل الأسمر يمينًا وشمالاً مغمضًا عينيه تحيط به موجة كثيفة من الدخان. تناهت إليه همهمة الأهالي ورآهم يسحبون مقاعدهم مقتربين. نظر إليه صاحب المقهى وكان متربعًا عند قدميه ممسكًا بالجوزة. بدا في عينيه رجاء. غير أنه لم يستجب لرجائه. ظل محافظًا على إيقاع أنفاسه، “تلك الألعاب الصغيرة التي يشغف بها أولاد هذه الأيام”.
في الدورة الثالثة سبقه الأسمر. أنهى الأربعين حجرًا وسط تهليل رفيقيه، ثم خلع عمامته فبدت صلعته مبللة بالعرق. جففها رفيقه بكمه وقبلها، شمر الأسمر عن ساقيه السمينتين كثيفتي الشعر وثنى واحدة منهما تحته وصاح:
-    سمعونا حاجة.
قال رفيقه من فوق رأسه: “أغاني وطنية”.
ضحك الأسمر صاخبًا: “آه والله زمان يا سلاحي”.
ومال نحوه . عيناه حمراوان : “أنا وأنتَ. والصحبة. والموجة تشيلنا فوق. كله جميل. فكها يا رجل. فكها”.
انتبه إلى تجهمه وابتسم. كانوا على ما يبدو قد أيقنوا من هزيمته وكانت لا تزال أمامه خمسة أحجار. والأسمر صاخبًا ينتظره.
كانوا يعدون الأحجار للدورة الرابعة. وأرسلوا من يأتي بكباب من العربة الزجاجية المرابطة على الشاطئ، وقد تأخر صاحبها في الرحيل حين رآهم في المقهى. وكان يأتي من وقت لآخر عليهم ويعود. تناولا طعامهما على منضدتين متقابلتين. كانوا يفرغون أمامها الطبق بعد الطبق. كفتة. لحم مشوي. سلاطة. كان الأسمر يأكل بشراهة. ويضخ الهواء في صوت كالفحيح وكأنه ماكينة. “صدر ضخم. آه لو كانت له مثل هاتين الرئتين”. ابتسم، ومسح شاربه مما علق به أثناء الأكل. كان الآخرون يتناولون طعامهم وقوفًا، أمسك كل منهم رغيفين في يده محشوين بقطع اللحم والكفتة. ومياه السلاطة تنساب من بين أصابعهم.
شربا الشاي وعادا إلى مقعديهما. مال الأسمر نحوه هامسًا:
-    لا تؤاخذني. إذا كنت تعبت؟ أنتَ عمنا وأنا تحت أمرك.
ابتسم في وجهه. “آلاعيب الصغار”. يستطيع هو أيضًا أن يقول الكثير من هذا الكلام. “لن يسحبني إلى أرضه”. يخشى من مزاجه إذا تعكر فلا يستطيع أن يواصل. أغمض عينيه كعادته حين يريد أن يزن حاله. كان التماوج خفيفًا، وزفيف رياح تأتي وتذهب، وسحابة ثقيلة تكمن غير بعيد، نفث دخانًا ينساب في تراخ، وثديا امرأته عاريان تحت الجلباب المبلل، تأملهما لحظة، كانا جميلين في تهدلهما، ورأى أنه يستطيع أن يتحمل ثلاث أو أربع دورات أخرى.
أقبل الأسمر على الغابة في نهم. كان يشب بصدره باسطًا ذراعه، يأتي على الحجر في نفس واحد، يلفظ الغابة ويهز رأسه في عنف، يلفه دخان كثيف يخرج من فمه المفتوح وراء الأخرى، والعيون عالقة به وقد بهرها أداؤه.
في الدورة الخامسة بدا وكأن شيئًا أغضبه. كان عنيفًا مع الغابة. يكاد يخلعها مع الجوزة، وربما كانت لا تسعفه ونهمه يتزايد. ورفيقه المتربع في الأرض نهض على ركبتيه، ينظر في قلق. “يضحك لحظة. ويغضب لحظة. مثله لا يصمد طويلاً”.
لمح خيوط عرق تسيل خلف أذنيه، ورفيقه الواقف على رأسه يختلس اللحظات ويمسحها بطرف شال، ويده الأخرى تحرك الجريدة في شدة، خفف من أنفاسه الطويلة وشحوب أخذ يسري في خديه ويذهب بلونهما الوردي. كان يطوي ساقيه تحته مكومًا على المقعد أشبه بحيوان ضاق به المكان، وعندما يحس بنظراته يكشر ويزوم دون أن يفلت الغابة من فمه، ورأى أن يداعبه قليلاً. ابتسم، وجذب الشال عن كتفيه. شد نفسًا طويلاً. طقطق الحجر واشتعل بالنار. هلل صاحب المقهى عند قدميه غير مصدق، خلع جلبابه وقد أخذه الحماس، وشب على ركبتيه العاريتين مقتربًا من مقعده، وراح يرمي بالأحجار المشتعلة، اعتدل الأسمر في المقعد فاتحًا ساقيه، والجوزة تكاد تتفجر تحت وطأة أنفاسه، وأحجاره المشتعلة تتدحرج بين قدميه، كانت عيناه جاحظتين تدمعان، هب الأهالي واقفين وتحلقوا حولهما، وساد الصمت ثقيلاً لا يخدشه سوى كركرة المياه في الجوزتين.
وكانت الدورة السادسة توشك أن تنتهي، سبعة أحجار أو ثمانية على كل من المنضدتين، ونهض الأسمر مبعدًا للغابة، حدق لاهثًا في الوجود حوله. ومد يده نحو عباءته ثم تهاوى فجأة، اختلج جسده، ورفس بقدمه مرة ولم يرفس الأخرى.
تلك اللحظة التي سيتعيدها مرارًا، وطرف الغابة يفارق فمه، والأسمر عند قدميه يرشون وجهه بالماء، وجسده الساكن لا يتحرك. حمله ستة من الرجال فيما بينهم، وضعوه في الحنطور، وعاد رفيقه الذي كان يقف على رأسه، أخذ عباءته وحذاءه، وفتش المكان بعينيه وخرج.

من مجموعة “ساعة مغرب” - دار الهلال


Feb 14

Jan 17

خيري شلبي - طبق الأرض


كل زملائي الأنفار يحبون العمل في أرض عائلة الجوابر، هذا ما كان لي، من يوم ما اشتد عودي فكبرت على نقاوة اللطع من أشجار القطن وعلى الجري وراء حمار السباخ، وصرت أستطيع الشغل في العزيق وشتل الأرز وتطهير المصارف وجمع القطن وحش البرسيم. وكل هذه الأعمال تحتاجها أرض الجوابر. النفر بسبعة قروش في اليوم، ومواسم الشغل تهجم مرة واحدة قبل البذار وعند الحصاد. نفر كثيرون يأخذونها من قصيره ويلبدون لمقاول الأنفار كي يضمهم في ترحيله لثلاثة أشهر أو أكثر أو أقل، يضمنون الموسم كله، ولا الحوجة للعمل يوما والإنتظار يومين، يقبضون عربونًا مجمدًا ينفع في مصلحة كبيرة. ونفر أكثر لا يحبون الترحيلة، قطعت الغربة حتى ولو لساعة واحدة، وطالما أن الزمن النذل رخص للخسيس أن يتحكم في الأصيل، فتحكم بتحكم وخسيس بخسيس ونبقى في بلدتنا أحسن، خسيس تعرفه أحسن من نصف خسيس لم تعرفه بعد. هؤلاء ربنا يكرمهم أيضًا، لأن الكل لابد أن يبيت متعشيًا في النهاية، وشغل البلدة كثير، ليس عند العائلات وحدهم، بل وعند ناس من ذوي الفدان والفدانين.
الترحيلة تأخذ الواغش وتمضي به إلى بلاد بعيدة، الباقون يمزمزون في الشغل عند أهالي البلد. كل عائلة عندها شغل لابد أن تبيّت على الأنفار قبل دخول الليل. المحظوظ من يبيت عليه مرسال من عائلة الجوابر –ليس ببعيد أن يستندل النفر فيرجع في كلامه إذا بيّت عليه مرسال من عائلة أخرى ثم فوجئ بمرسال الجوابر يجئ ليبيتعليه قائلاً: عندنا عزيق بكره يا فلان، في الحال سيرد قائلاً: إحنا خدامينك يابا الحاج، ثم يتسلل قبل أذان العشاء متوجهًا إلى دار من بيّت عليه من قبل: عدم المؤاخذة يا حاج فلان، وحق دي الليلة ومساها الولية أمي كانت اتفقت مع الجوابر من غير ما أعرف! سامحني بكره بس!
وكنت فرحًا بفأسي التي اشتريتها من مولد سيدي ابراهيم الدسوقي جديدة وصنع لها النجار يدًا طويلة سرحة خشنة كي لا تتزحلق في يدي إذا عزقت، أضعها على كتفي وأمشي مختالاً بين الرجال معجبًا بشراشيب دكة السروال أبو حجر طويل، والصديري فوق الفانلة أم كم طويل، ومنديل محلاوي مربوط حول رأسي فوق الطاقية اتقاءً لحرارة الشمس، وآخر معقود على رغيفين وخيارتين من بلاص المش نسميه حمام البلاص، وعقدته مدخولة في يد الفأس، ذلك هو غدائي الذي سآكله عندما يمر قطار الظهر البعيد.
فرحتي في ذلك اليوم لا تقدر بمال، لأنني صرت رجلاً بين الرجال ولأنني سارح للشغل في غيطان الجوابر، قال الولد حموده الجرف في غبطة وهو يعض على نواجذه:
-    إبسط يا عم! يومك نادي بإذن الله!
وكان الحاج محمد جابر يشخط في الأنفار المتخلفين عن الركب ويهدد بضرب الشلوت في القلب إذا لم يكن للواحد همة. طرف نبوته راح يزغد أجناب من يطولهم. قلت للولد حموده الجرف:
-    الحاج يأخذنا بالشدة من أولها!
قال:
-    ولن يترك الواحد منا يرفع قامته دقيقة واحدة.
قلت:
-    ربنا يستر في هذا اليوم!
قال:
-    وإذا لم يعجبه عزيق أحد يخطف الفأس منه ويريه الشغل على أصوله، وعندما يرد الفأس يضرب صاحبه بيد الفأس على دماغه.
-    يعني أوسخ من شغل الوسية!
-    الوسية أرحم.
-    فلماذا تحبون الشغل عندهم؟
-    لأنهم يقدمون للأنفار فطورًا، هذا كل ما في الأمر.
-    يا سلام! سيفطروننا اليوم!
-    قبل نزولنا الخطوط نفطر.
-    كتر خيرهم والله! يتأمروا على كيفهم بقى!
ومشينا في اتجاه قرص الشمس الأحمر حتى وصلنا إلى حوض البقعة بعد نصف ساعة سيرًا على الأقدام بين الحقول، الحاج محمد جابر أمامنا راكبًا حماره، والحاج سالم جابر –إبنه الكبير- وراءنا راكبًا حماره، ومن ورائه أم حنفي التمليّة بالملاية تحمل على رأسها حلة الغسيل الكبيرة، وبجوارها ابنتها سعدية تحمل قفة مغطاة بحزمة من البرسيم، وكان موكبنا يستطيل كلما حودنا في طريق ضيّق، وإذ توقف حمار الحاج محمد جابر توقفنا، عند ساقية على شاطئ قناة رفيعة تفصل بين حوضين من الأراضي.
وقال الحاج محمد جابر:
-    كل واحد يقعد في مطرحه.
فقرفصنا جالسين في صف طويل على الجرف الطري للقناة، نزل هو فربط حمار في وتد على مدار الساقية، وجاء نحونا بقدمين حافيتين مفرطحتين، تختمان الأرض الطرية ببصمات غائرة، إذ تترك قدمه في الأرض ختمًا كاملاً، بأصابع خمس متلاصقة وكعبًا مسدير. صرت أتأمل في أقدامه المطبوعة على الأرض فأتذكر ما يشاع في البلدة من أن العتقى لم يفلح في تفصيل بلغة على مقاس هاتين القدمين، وأنهم نجحوا في تفصيل بلغة له عند عتقى في بندر دسوق لكنه لم يطق لبسها فرمى بها ولم يعد يلبسها إلا عند صلاة الجمعة. وكنت أعجب من الشقوق الغائرة في كعبيه كشقوق الأرض الشراقي، وكانت ناشفة صلبة لدرجة أنه كان يستعين بكبه في دق مسمار في خشب أو غرز وتد في الأرض.
صرخ الحاج محمد في أم حنفي:
-    مدي يا مره واعملي لك همة شوية.
فأسرعت تتمايل تحت ثقل الحلة الكبيرة، فلما صارت أمامنا ساعدها على إنزال الحلة إلى الأرض. ثم وصلت البنت سعدية فأنزل القفة، فأزاح عنها حزمة البرسيم فإذا هي مليئة بالأرغفة الطرية. صار يوزع على كل واحد رغيفًا. ثم جاء الحاج سالم ورفع غطاء الحلة فإذا هي مليئة بشربة العدس. صار يقلبها بمغرفة كبيرة من الخشب فيتصاعد منها الدخان حاملاً رائحة العدس الفواحة. صاح الحاج سالم وهو يقلب العدس بالمغرفة:
-    طبعًا ما عندناش صحون تكفيكم
صاح فيه الحاج محمد:
-    صحون إيه يا جدع! نعمل سفرة! أنا سأعمل لك صحون ربانية.
ثم غرز كعب قدمه في الأرض الطرية، وبرمه، فصنع حفرة تشبه الطبق، ثم نزع كعبه صائحًا في الحاج سالم:
-    إغرف هنا.
ونقل كعبه إلى بقعة مجاورة فضغط به الأرض وبرمه صانعًا حفرة أخرى كالطبق الغويط، وهكذا مضى يصنع بكعب رجله حفرًا في الأرض كالأطباق، والحاج سالم من خلفه بالحلة يضع في كل حفرة مغرفة من العدس. انحنى الأنفار على الحفر يقتطعون اللقم ويغمسونها في الحفر ثم يطوحون بها في أفواههم. نقرتني نظرة الحاج محمد من بعيد. فاقتطعت اللقمة بسرعة، وانحنيت على الطبق.

من مجموعة “سارق الفرح” – مكتبة الأسرة 2002


سعيد الكفراوي - شجن ليلي


قليلة هي المرات التي ضبطت فيها روحي تجهش بالبكاء.
كنت أغلقت التلفزيون بحدة. كان المشهد لجسد امرأة عربية وقد حولته القذيفة إلى أشلاء ملتصقة بالجدار، وقد تلطخت الأرض بالدم، واكتسى الجو بغبرة الدخان، كان الطفل الذي جاء عدوًا قد تسمر أمام مشهد الأشلاء، وحين لم يستطع مواصلة الوقوف خطا ناحية الرصيف وجلس يباشر وينظر بفزع ناحية ما تبقى.
هل كان الجسد لأمه؟ أم لتلك الجارة التي تتوجه كل صباح ناحية البستان؟
وهل كنت أقوام ما ينبثق من القلب من جروح، وذلك الصوت البعيد ينبعث صداه مثل السقوط في الهاوية؟
“ما الذي يحدث ولا نفهمه؟”.
سرت داخل الشقة أتأمل الصور على الحائط، وصوت غناء يصعد من الراديو يمجد القدس، وأنا أقاوم إحساسي بتلك الهزائم التي تتواتر مثل الفصول عبر الأزمنة، وكم من السنين ستمضي حتى يتخلص الناس من ذلك الموت الذي يسكن الحياة؟
كانت الساعة تقترب من الحادية عشرة، والشمس تفرش أرض الشرفة، والشارع يزدحم بالسيارات، ونداءات الباعة، وبجانب السور تجلس عجوز مسنة تمد يدها للعابرين.
كنت في الصباح تلقيت دعوة “إبراهيم” لحضور إضراب من الطعام في نقابة المحامين، قال:
“بسبب ما يحدث”
“هنا ولا هناك؟”
“هنا وهناك.. ميعادنا الثانية عشرة في النقابة”
وضع السماعة، ومضى.
نقابة المحامين بناء ليبرالي قديم، يقع على تقاطع شارعي رمسيس وعبد الخالق ثروت. طرازه كلاسيكي يعكس مهابة أول القرن الماضي. واجهته الخارجية افترشتها اللافتات بشعاراتها المجلجلة.. تسقط أمريكا وإسرائيل.. بالروح بالدم نفديك يا فلسطين.. يسقط العملاء واللصوص.
زحمة من شرطة ومخبرين. والنهار خريفي، وعربات الشارع غير مبالية.
قبل أن أتجاوز الباب اعترضني الشرطي:
“على فين؟”
“داخل”
“تلاقيك رايح الإضراب.. شكلك كدا”
“آه رايح الإضراب”
“طيب يا سيدي اتفضل اضرب”
شيعني بنظرة فلاح لا حول له ولا قوة، ثم سمعته يلعن سنسفيل الأيام السوداء التي وضعته في تلك الظروف.
اجتزت الحديقة المزروعة بأشجار التوت والفيكس، وقطعت المساحة بين المبنى والحديقة الخالية من العشب. رأيت المحامين يجلسون في طرفها على كراسي من البلاستيك مرتدين أروابهم السوداء، يتحدثون إلى موكليهم بصوت عالٍ، ويحتسون الشاي ثم يتأملون الأخوة المضربين في الجانب الشرقي من الحديقة بجانب المسجد الصغير.
أسراب من بشر ينسلون من باب جانبي، يحملون أوراقهم بينما تنطوي وجوههم على حزن أصيل أصبح علامة تميز وجوه المصريين.
أسير واضعًا يدي في جيب سروالي، لا أستطيع مفارقة منظر الموت على الشاشة، وذلك الإحساس يغمرني، هو الموت، وذلك الألم الأخير.
“أهلاً” قالها علي ونهض مسلمًا .. ألقيت التحية، وسحبت كرسيًا وجلست.
كان منتصف النهار معتدل الهواء في هذا الوقت من زمن الخريف، وكنت أراهم يدخنون بشراهة، ويقرأون من أوراق في أيديهم. همس علي في أذني ببعض الكلمات وافقته عليها. نهضت وتوجهت ناحية المسجد. كانوا عشرة قد باشروا الإضراب عن الطعام. ألقيت عليهم التحية وعدت حيث الجمع.. قالي لي علي المسألة لم تعد موت شخص أو جماعة. المسألة مسألة اختبار للوجود كله. فاهم. فاهمني. أشار إلى صدره بإصبعه، وأضاف بصوته المبحوح، عشرة أيام ولا أستطيع النوم.. لحظات مع كوابيس لا أعرف من أين تجئ؟
أراح ذقنه على يده وغاب عني.
وقف إبراهيم ممسكًا بورقة، وقال بصوته المضطرب:
“كتبنا بيانًا يوقعه المثقفون، يشتمل على مطالب ثلاثة، قطع العلاقات مع إسرائيل، طرد السفير، وقف ضخ النفط”.
صمت لحظة وواصل:
“وحتى تتحقق هذه المطالب سوف نضرب عن الطعام حتى الموت”.
صمت الجميع لحظة، رأيت خلالها عصفورًا ينتقل من شجرة لشجرة.
تأملت وجه داود الأسمر، ونظارته البنية ذات الإطار السميك، وشعره الأسود الذي وخطه الشيب.. انحنى للأمام قليلاً، كان منشغلاً حين رأيته يضغط على شفته السفلى، ويدفع بنظارته على عينيه، رفع رأسه ونظر ناحية إبراهيم.
“لكن يا إبراهيم دي مطالب يستحيل تحقيقها.. وأنتَ عارف موقف الحكومة كويس”.
أجاب إبراهيم:
“علينا تصعيد الأمور”.
قلت من مكاني بصوتٍ عالٍ:
“لحد الصدام؟”
“لحد الموت.”
قالها إبراهيم ورأيته يرتعش بالإنفعال، كان وجهه قد نحل، يفرز عرقًا غزيرًا، تذكرت سنوات طويلة ماضية، وتلك الأحلام التي عشناها ولم تتحقق أبدًا. وأخذت أتأمل تلك المصائر التي دائمًا ما تنتهي لما نحن فيه.
عاد يؤكد:
“إضراب حتى الموت.”
قال علي:
“اقترح اضرابًا رمزيًا عن الطعام.. كل جماعة تضرب ثلاثة أيام متواصلة.. بكدا، أولاً: يستمر الإضراب مدة أطول، وثانيًا: تصل الرسالة للشارع، وعلينا بدعوة رجال الإعلام وكبار الكتاب للحضور، وكمان القنوات الفضائية”.
وكنت ألمح عبر السور جنود الأمن المركزي، وعرباتهم الخضراء، تحتل الشارع، وأرى تجمعاتهم على الرصيف، وذلك الضابط الكبير يتكلم من جهاز اتصال في يده.
انتهينا إلى أن يكون إضرابًا رمزيًا.
انقضى أول نهار، وحل على المكان الليل، وأضيئت في جنبات الحديقة مصابيح النيون، وتكاثفت الأشجار.. اختفى الشارع وغاب عنًا الجنود.
زحفت الساعات بطيئة، متوترة، واشتدت على المكان وأجساد الحضور كثافة من برد ليلي، وخلف النقابة ظلمة قادمة من ناحية دار القضاء العالي. كنّا في الهزيع الأخير من الليل، وقد هجع المضربون عن الطعام في ساحة المسجد الصغير المقام على مساحة ضيقة من أرض الحديقة.
كنت أجلس بجوار جذع شجرة النخيل ألوذ بصمت آخر الليل، غارقًا في ذكريات قديمة لم تغادرني أبدًا، وكنت على نحو من ألم أعيش مأساة حياتنا، تنتفض بداخلي الصور، وأتأمل عبر سنوات عديدة مشهد تلك الجنازات التي تخرج من أزقة متربة حيث وجهه الكريم، كأنني أشعر في هذا الوقت من الليل بسخونة أنفاسهم، وذلك الصدق المروّع يقودهم نحو الموت لتحقيق إدراكهم العميق لمعنى الكرامة، وفهمهم الذي لا يرتهن للغيب: أن الأرض أرض الناس، والوطن وطنهم.
شعرت بلذعة البرد، نهضت أجمع من أرض الحديقة بعضًا من أغضان جافة، حفرت حفرة بالقرب من باب المسجد، وألقيت بها الأغصان وبعض الأخشاب المهملة بالمكان وأشعلت النار.. ارتفعت النار وضوّت شعلاتها تعكس الظلال على الجدران، رأيتهم يخرجون من المسجد فرادى ملتفين بأغطيتهم، يفركون أكفهم ويتحلقون حول النار البهية في ليل المدينة الصامت. نفذ الضوء وكشف عن الوجوه، أحسست في لحظة كأنني في خلاء المقطم، تحت النجوم والشهب العالية.. كنّا صامتين، وسرى الدفء، وسرعان ما تخففوا من أغطيتهم، وشعرت بإحساسهم يطفو على النار، وبقدرتهم على الفعل والمقاومة.
نهاران، وثلاثة ليال عبرت فيها السماء ثلاثة أقمار متكملة.
تزدحم النقابة بالأصدقاء، وتفرغ منهم في منتصف الليل، وأحوال المضربين تسري في المدينة مثل صوت الرعد.
في اليوم التالي جاءت قنوات التلفزيون والمراسلون الأجانب. وفي النهار صدرت صحف المعارضة بصور المضربين وشعاراتهم. في الليل حضر ضابط أمن الدولة بصحبة وكيل النائب العام وأجرى تحقيقه، وعين طبيبًا يباشر أحوال المضربين.
مغرب اليوم الثالث كانت أرض الحديقة مفروشة بالرفاق، الصخب يعلو، والبيانات تقرأ، والبعض يطل على ساحة المسجد ملقيًا السلام والسؤال.
قوات الأمن الكثيفة تحاصر البناء، سيارتان مركونتان بجوار الرصيف، واحدة تمتلئ عن آخرها بعساكر الأمن المركزي، ويقف أمامها ضابطان من أصحاب الرتب، يحملان جهازين للاتصالات، والجنود خلفهم مدججون بالسلاح.
“ليل قادم”
همست لنفسي وأنا أنظر من خلف السور، أراقب الشمس وهي تغيب ويحل على الحديقة ذلك المساء الغائم.
لمحتها تدخل من الباب.
وقفت لحظة تتأمل الجمع، وتسند ظهرها للحائط تحت يافطة القماش “فلسطين عربية”.. رأيتها تبتسم، ورأيت وجهها تنيره أسنان بيضاء لامعة، رمت بشعرها الطويل خلف ظهرها، وخطت ناحية الجمع متوجسة، كانت صبية يا دوب في عمر الخمس عشرة، ترتدي ثوبًا من حرير توشمه وردات ملونة، وتحمل في يدها كتابًا مصورًا غلافه بيت قديم. ترتدي سترة من قماش الجينز الأزرق، وتشبك في كتفها حقيبة من الجلد.
اقتربت مني وسحبت كرسيًا وجلست وهي ما تزال تبتسم.
لاحظت أن عينيها كبيرتان، صافيتان، وأنها كلما ابتسمت رجعت بي لأيامي القديمة. كان وجهها النحيل، وتلك البراءة التي فاجأتني قد سمرتني على وجه الصبية، ولم يعد بإمكاني مغادرة تلك الملامح التي هبطت على المكان.
رحبت بها فابتسمت لي وسألتني بمنتهى السذاجة:
“هو فيه إيه يا عم؟”
“اضراب.. عاملين اضراب.. علشان فلسطين”
تداركت هامسة:
“آه .. صحيح”
وانشغل بالها.
سرحت، وكأنها ترى ذلك التتابع لأطياف لا أراها أنا، والبنات التي لها وجه القمر تسابق قلبها في تأمل ما تراه مندهشة.
قالت:
“وهم حَ يفضلوا كدا لحد ما يموتوا من الجوع؟ .. يا حرام!!”
اقتربت مني، وقد احتضنت يدها، فقلت لها “ممكن”.
همست لنفسها مرة أخرى:
“يموتوا من الجوع؟!.. يا نهار أبيض.. دي تبقى كارثة”
أدركت مدى طيبتها، وقلة خبرتها، ربما هي المرة الأولى التي تجوس في مثل هذه الأماكن.
طلبت لها شايًا وحل صمت مفاجئ على المكان، ثم عاد اللغط يختلط، وأصوات تعلو هنا وهناك.
فجأة، وعلى غير ما توقع انبعث صوت البنت بالغناء، نابعًا من حنجرة مثل ينبوع.. انتبهوا للصوت وصمتوا.. وبعضهم هم نصف همة ليرى الصوت.
كانت قد اعتدلت في جلستها وقد شدت من قامتها، ونهضت واقفة فبدت طافية على المشهد، يجسد بدنها ضوء المصابيح، وكانت الرؤوس تجاهها مشرعة، والبنت تغني بذلك الحماس عن بلد بعيد، تلك الألفة وذلك الشجن الذي يعلو في الليل، وينبع من الجنة. أغنيات تخرج من الروح بذلك النغم فائق المحبة، وجلجلة تعلو مثل راية على مكان أليف.
كنت مندهشًا، ومأخوذًا، كم من الزمن سيمضي لأمسك بتلك اللحظة مرة أخرى. لأقبض على خلود الزمان في هذا المكان الضيق من مدينة تعيش انكسارها، كم من الوقت سيمضي لأدرك ما يجسده صوت البنت في تلك الليلة. خيّل إليّ كأنني في حلم، أخرج من دروب المدينة القديمة وأدخل في مرج المساء النوراني.
بدأت تطوف في المكان، والأصوات تستحثها:
“غنّي يا سارة.. غنّي”
التهبت الجماعة، وأخذوا يرددون خلفها الكلمات، ودبّت الحماسة في أرواحهم، وابتدأ الهتاف صاخبًا. وانطلقت الشعارات تتجاوز الأسوار.
حاصرت قوة الأمن الحديقة، وتقدم الضابط الكبير آمرًا الجميع بالكف، وأنذرهم بفض الإضراب بالقوة. تصدى له أحد الرفاق مشوحًا بيده في وجه الضابط. هجم عليه الجنود بهراواتهم وأسقطوه أرضًا وأخذوا يركلونه بالأحذية الميري. تحفزنا وهم يسحبونه ناحية السيارة في الشارع. نبهنا بعضهم: حذار أنهم يستهدفون فض الإضراب بالقوة.. انتبهوا.
عدنا وجلسنا.. بحثنا عن سارة التي كانت تنتفض بجاور الحائط، دعوناها للغناء مرة أخرى لكن صوتها لم يخرج مجلجلاً أبدًا.

من مجموعة “يا قلب مين يشتريك” - كتاب اليوم - دار أخبار اليوم


Jan 13

إبراهيم عبد المجيد - تقديم رواية “قناديل البحر”: هل من حقي أن


قليلاً ما نجد كاتباً يحدثنا عما يقع خلف الكتابة، أو تحتها. والكاتب غالبًا  على حق فنيًا، فسبب كتابة القصة أو القصيدة، يفسدها بالتأكيد إذا تسلل إليها. لكن تظل معرفة ذلك عملاً هاماً وكتابة فنية أيضًا مطلوبة ومفيدة، ليس للدرس، ولا لتنوير السادة الباحثين والنقاد فقط، ولكن أيضًا لنفض الجراب كله، لاستخلاص الراحة حتى الثمالة. الفن إشباع حقًا وتفريغ أيضًا لشحنات من الشجن السحري. كيف حقًا ندلق كل هذا الشجن على الورق ونحتفظ بالسبب؟ بالتأكيد تأخذ الكتابة، في تضاعيفها وظلالها، مثيرها معها، لكن يظل منها مسحة، أو قرار، أو لحظة مفعمة بالزمن!
لقد كتبت، مرة، أن سبب كتابتي لقصة قصيرة بعنوان “كلمات متقاطعة” هو اختطاف الطائرات الأمريكية لطائرة الركاب المصرية التي كانت تحمل فدائيين فلسطينيين فوق البحر المتوسط، وقصة “الكلمات المتقاطعة” خالية من كل ما يشير إلى ذلك، من قريب أو بعيد – يمكنك طبعًا الإطلاع على هذه القصة في مجموعتي “إغلاق النوافذ” – وقلت أيضًا أن سبب كتابة قصة “الجدار” – المنشورة في إبداع منذ سنوات وسوف تضمها مجموعة قصصية قريبًا- هو أني رأيت صورة أحد الرؤساء الذين يتحدثون كثيرًا عن الديموقراطية ويسجنون البلاد. وليس في قصة “الجدار” أي إشارة لذلك، إنها قصة رجل تحاصره الجدران في كل شارع يمشي فيه. وأستطيع طبعًا أن أحدثك عن كثير مما هو وراء كتابة أعمال لي ولم يظهر فيها، وعما فكرت فيه أو رأيته قبل الشروع في عمل فني كالقصة أو الرواية، أو ما كان موجودًا بالقوة –باصطلاح أرسطو- ثم صار موجودًا بالفعل، جديدًا ومغايرًا. السياسي كما ترى يتحول إلى نفسي، روحي، وجودي، ويمسك بالمطلق عبر صور مادية مباغتة، أندهش حين أقراها، أتساءل في أي مكان في الدماغ، أو القلب، كان موجودًا هذا كله.. الإبداع عملية معقدة حقًا وجميلة.

قررت الآن أن أتحرر أوسع الحلقة الحديدية حول عنقي ولو قليلاً. لا تسألني عن الوقت الذي ترددت فيه قبل أن أقرر ذلك فهو طويل. كيف حقًا أناوئ التراث الموروث والموّرث لنا. الكاتب آخر من يستطيع أن يتحدث عن تجربته، أو آخر من يفهمها. طيّب. ليكن. لكنه يفهم ما حولها وما قبلها وما بعدها أيضًا فهل يمتنع عن الخوض فيه؟ لا أظن. الكاتب فقط، من الإرهاب التراثي، يتصور أنه ممنوعًا من الكلام. لاحظ أن المبدعين المصريين منذ الستينات قليلو الإنتاج من ناحية الكم، فبعد ربع قرن أو أكثر تجد المشاهير منهم لم يتجاوزوا خمسة كتب صغيرة الحجم. هل تعرف السبب؟ طبعًا سيدخل الحديث عن الظروف الإجتماعية والسياسية، ولن يتحدث أحد بالطبع عن الإفلاس أبدًا، وكما لن يتحدث أخد عن الإرهاب الضمني الذي سببته المقولة الرائجة في الستينيات، وحتى الآن، وهي أن الكاتب يحتاج إلى سنوات طويلة لكتابة رواية جيدة، وإلى أكثر من عام لكتابة قصة قصيرة. أخذت هذه المقولة شكل المطلق. وبعض الكتّاب ظل سنوات بلا كتابة ثم اعتبر ما كتبه بعد ذلك إنتاج كل السنوات السابقة. ثم الخضوع لهذا المطلق الذي اخترعه الكتّاب أنفسهم، وتأخرت كتابات كثيرة، وضاعت حقيقة أن العملية الإبداعية نسبية إلى أقصى درجة بقدر ما هي شخصية إلى أقصى درجة. وهناك أعمال قد تكتب في سنوات وأعمال قد تتفوق عليها أو تضارعها قد كتبت في شهور، لأن العبرة بالإمتلاء والموهبة، إمتلاء الكاتب بالتجربة وعمق موهبته. رغم أن الدقة مطلوبة والتأني أيضًا.
منذ الستينات راجت فكرة أن القارئ لم يعد قادرًا على قراءة الروايات كبيرة الحجم، وأن الرواية القصيرة، أو القصة الطويلة، أو النوفيللا –تخلصًا من هلاك المصطلحات- هي أنسب الأشكال. روّج لهذه المسألة في البداية معلمنا نجيب محفوظ بعد أن كتب “اللص والكلاب” ودخل مرحلة رواياته الفلسفية –هل لم تكن هناك فلسفة في رواياته السابقة؟-. صدّق النقاد نجيب محفوظ –كالعادة- وصدقه أيضًا كثير من الكتّاب، وساعدهم درس يحيي حقي في انتقاء اللغة، ولم يحاول إلا القليل كتابة روايات كبيرة الحجم، والحقيقة ليست كذلك ولا عكس ذلك. الحقيقة نسبية. يمكن جدًا لعمل كبير أن يقرأه القارئ أسرع من عمل صغير. إذا كان الأول ممتعًا، والثاني سمجًا ثقيلاً..
نحن إذن نقول الرأي ثم نحوله إلى قانون نسجن أنفسنا فيه داخله ويتحول إلى تراث إرهابي. هل طال كلامي؟ هل صرت مفهومًا؟ لابد أنك مستعد الآن لبوحي لك بما هو قبل وبعد كتابة روايتي التي بين يديك.

“قناديل البحر” رواية قصيرة كتبتها في عام صعب، هو عام حرب الخليج. قفزت إلى روحي الرغبة في كتابتها خلال قضاء أسبوع على شاطئ العريش الجميل في شهر أغسطس من العام المشار إليه. وتمكنت مني الرغبة بعد عودتي وقراءتي لروايتين جميلتين لكاتبين عربيين. الأولى “المجوس” للكاتب الليبي إبراهيم الكوني والثانية هي “الريش” للشاعر والروائي الكردي –الذي يكتب بالعربية- سليم بركات.
لا علاقة بين العملين المشار إليهما وهذه الرواية. لكن هذين العملين، ورحلة العريش، كانت بلسمًا حقيقيًا بعد حرب الخليج التي أصابتني بكره شديد لكل مكان ممكن وكل زمان محتمل. لقد عشت ورأيت تبخر الأحلام التي كبرنا عليها. حلم الإشتراكية وحلم العروبة وكل ما يتنوع عليهما. صرت أحتاج وقتًا لأتواءم مع الوقت. هنا طبعًا من يستطيع بسرعة تغيير جلده وفتح صدره لكل جديد سواء كان هذا الجديد نبتًا للهزيمة أو للانتصار، لكنني لست من هذا النوع، ولا أظن أن مبدعًا حقيقيًا يستطيع بسرعة أن يتخلص من قناعاته، لأن قناعات الفنان غالبًا ما تمتزج بالقلب. بل هي دائمًا ما تفعل ذلك. كنت أحتاج وقتًا لأتواءم مع الوقت. “المجوس” و”الريش” ورحلة العريش أعادت لي الشعور بأن النجاة في الكتابة. ذكرتني بذلك، وهو أمر لم يغب عني من قبل، وطالما قلت في أحاديثي إنني منذ السبعينيات وجدت أن الكتابة وحدها هي التي تساعدني على البقاء حيًا. أن تكتب يعني أنك موجود. أو شئت فأنا أكتب إذن أنا موجود، وبالفرنسية إذا أحببت أيضًا: “j’ecris dorc je suis”…
لكن اسمح لي أن أضيف إلى ذلك أمرًا قد يبدو تافهًا، لكنه عميق إلى الدرجة التي أثارني فيها غاية الإثارة.. لقد وجدت نفسي أسمع لحنًا جميلاً إنساب بعده صوت عبد الوهاب يغني بإحساس العاشق الحقيقي قصيدة “قالت” للشاعر العباسي الشهير صفي الدين الحلّي، المنسوب إلى مدينة الحلّة، التي هي بابل، ومدينة عشتار وتموز الراعي، والتي كنت أزورها دائمًا كلما زرت العراق مع الوفود العربية وكان دائمًا معنا ضمن الوفود أدباء من الكويت كبار ومشاهير وأدباء من كل مكان، وأدركت وأنا أستمع لعبد الوهاب أننا قد ابتعدنا كثيرًا عن كل شئ، وأنه لا سبيل لرؤية الكتّاب والأدباء الذين كنّا نراهم في بغداد والحلّة والبصرة والموصل من كل البلاد. للمدن العراقية رائحة لا علاقة لها بالنظام الحاكم، رائحة الحضارة الآشورية والبابلية والعربية، وتلك الرائحة هي التي كانت مقصودة بالضرب ولم يكن مقصودًا ضرب النظام الحاكم.. لقد أذيعت أسرار العملية كلها والتفاصيل الجهنمية لما جرى منذ الأٍسابيع السابقة على الغزو العراقي حتى تحرير الكويت، لقد كتبت مرة في مجلة الهلال أنه يخيل لي أن الهدف مما حدث أن لا يجد الأدباء العرب مكانًا يجتمعون فيه على اختلاف اتجاهاتهم، أو مكانًا يضحكون فيه بعض ليالٍ يستعدوا بعدها لعام من الآلام !!
لقد استمعت إلى أغنية “قالت” البديعة وطريقة عبد الوهاب في إيصال الإحساس الدرامي في السؤال والجواب، ودخلت غرفتي وبكيت بكاءً مرًا.
عدت إذن للكتابة في محاولة للوجود من جديد. وبالمناسبة الوجود الذي أعنيه بسيط للغاية. هو أن يمر بي اليوم هادئًا، أنام وأصحو لأبدأ يومًا آخر هادئًا. هل ترى إذن أن يمكن تحقيق هذا الوجود بسهولة؟ لا أظن. أن يمر بهدوء هدف كبير في عصرنا.
انتهيت من هذه الرواية القصيرة في شهر مايو 1992 وكنت بدأتها في نهاية أغسطس 1991. وبالمناسبة أنا أميل للإصطلاح رواية قصيرة أكثر من اصطلاح قصة طويلة على هذ الفن البديع الذي يتوسط القصة والرواية. فالرواية القصيرة تعبير يوحي بالتكثيف والدقة بينما القصة الطويلة توحي بالإطناب والإطالة.. قلت إنني انتهيت من الرواية في شهر مايو 1992. ثم سلمتها إلى الشاعر أحمد الشهاوي سكرتير تحرير مجلة نصف الدنيا بعد ذلك بشهرين، أي في يوليو وأغسطس. وقال لي أنها ستنشر بعد شهرين أو ثلاثة من استلامها حيث هناك بعض القصص القصيرة الموجودة بالمجلات لعدد من الكتّاب من الضروري الإنتهاء منها قبل الشروع في نشر رواية مسلسلة. وجدت الأمر معقولاً وانتظرت حتى وقع الزلزال الرهيب في مصر يوم الإثنين 12 أكتوبر ثم بدأ نشر الرواية يوم الأحد التالي 18 أكتوبر عام 1992.
كان عليّ في ذلك اليوم أن أذهب إلى المجلة لمراجعة بروفات الحلقة الثانية، ووجدت أمامي ما لم يخطر لي ببال.
وجدت مونولوجًا قصيرًا يتردد في روح البطل، ناجي، وهو يتذكر زيارته في العام الماضي لبلدة ومصيف مرسى مطروح، ووجدت في هذا المونولوج إحساسًا مبكرًا بالزلزال الذي وقع يوم الإثنين، وفيه بالنص كلمات جيولوجية “ستحدث حركات تكوينية… إلخ”. من هذا المونولوج يرى البطل ناجي، ذهابه إلى المصيف في مرسى مطروح كأنما هو ذهاب الفيلة إلى محطها الأخيرة، موتها، وفي المونولوج صورة درامية / تراجيدية قاسية لم أقصدها بالطبع حين كتبت، وهذا هو ما أرهق روحي حين قرأته. لم أكن منتبهًا إليه، وتساءلت كيف اندلق حقًا كل هذا الحزن. ارتبكت بشدة، وكنت مرتبكًا في الأصل بسبب ما وقع للبلاد من أثر الزلزال، ومن حالة الترقب الفزع التي سادت الناس والبيوت، ومنهم بيتي طبعًا، وبسبب التوابع التي استمرت لأيام. كان الرعب من انهيار المنزل أو تصدعه رابضًا في دماغ الناس جميعًا. وأنا واحد من الناس. هل من الممكن حقًا الخروج إلى الشارع –إذا قدر لنا النجاة- والبحث من جديد عن شقة بعد أن كنت نسيت ذلك من زمان! أضف إلى ذلك نكبة صديقي الناقد عبد الرحمن أبو عوف الذين تصدع بيته وكان يحدثني كل يوم متوترًا متألمًا وكنت أنا أيضًا أحدثه حتى أهون عليه. ومن ثم لم أجد أي فرصة للابتعاد عن مناخ الزلزال وتوابعه. ثم قرأت الحلقة الثانية من الرواية لأجد فيها الإستبصار بالزلزال فركبني الحزن، وخفت –حقًا- أن تمتد الرؤيا فتحدث براكين كما جاء في المونولوج المباغت المخيف لناجي بطل قصتنا.
لقد تحدثت في ذلك مع أكثر من شخص، وأحسست بعدم قدرتي على الكتابة. شملني خوف من الكتابة، وتذكرت مواقف أخرى مشابهة في أعمال سابقة نادرًا ما تحدثت عنها. منها موقف الصبي “علي” في رواية “المسافات” حينما مشى في الخلاء يقذف بالأحجار التي يتمنى أن لا تسقط على الأرض قبل أن يراها الناس تمر بالبلاد لعشرات السنين ويتساءلون عنها فيقول العارفون إنها “حجر على ألقاه منذ عشرين سنة ولم ينزل بعد” وهكذا تتوالى صورة الحجر الطائر / الخالد عبر السنين. المسافات رواية انتهت كتابتها عام 1980  ونشرت عام 1982 لأول مرة.
كذلك هناك حوار واضح محدد في رواية بيت الياسمين بين شخصيتين يسعى أحدهما دائمًا للسفر إلى الكويت ويمحور حياته حول هذا الهدف فيقول له الآخر “مصير البترول يخلص أو تقوم حرب وتولع الدنيا”.
هكذا بالضبط في رواية منشورة عام 1987. وفي روايتي الأخيرة “البلدة الأخرى” التي انتهيت من كتابتها عام 1988 –والعبرة دائمًا بتاريخ الكتابة - والتي ظلّت عند دار الريس للنشر منذ عام 1989 حتى عام 1991 حيث صدرت– في هذه الرواية أكثر من موقف حدث بعد ذلك. الرواية تبدأ بنزول المطار ببلدة تبوك السعودية فيرى البطل طائرة حربية أمريكية وتنتهي بالعودة من نفس المطار ليرى البطل طائرتين بدلاً من واحدة. وفي الرواية حديث للبطل مع أحد اليمنيين حول التسهيلات الممنوحة لليمنيين في المملكة فيقول اليمني “ومن يضمن بقاء الحال؟” ولقد حدث بعد حرب الخليج أن تغير الموقف من اليمنيين تمامًا. وفي الرواية أيضًا فخ منصوب للفلسطيني لم يستطع أبدًا الفكاك منه رغم كل محاولاته حتى تم طرده من البلاد. وهكذا. لقد أدركت ذلك كله بعد أن قرأت تقرير الناقد المعروف الدكتور صبري حافظ لدار النشر حول الرواية، وقال فيه إن بها استبصارًا بحرب الخليج وما جرى فيها من أحداث.
هذا كله لم أنتبه إليه أثناء الكتابة، بل بعدها، حين يكتشفه ناقد أو صحفي جاء يجري معي حوارًا. ولقد قلت في أكثر من حوار حول هذه الظاهرة في أعمالي إنها من نوع الإحساس العميق بالكارثة، فجيلي في اللحظة التي بدأ فيها يدخل في نسيج الحياة الإجتماعية واجهته هزيمة 1967. ومنذ ذلك اليوم وكل شئ يتراجع حول هذا الجيل، ولقد تضايقت مرة من هذا الإحساس العميق بالكارثة الذي يلون الكتابة نفسها، لكن الدكتور شكري عياد في إحدى دراساته –انظر مجلة الهلال عدد يوليو 1990- قال: إن شيئًا مهمًا في شخصيات إبراهيم عبد المجيد في أنها لا تستلم بسهولة، وأن بها عنادًا.. لقد أضاء لي معنى الأمل الذي تمنيت أن يكون في أعمالي، وكان موجودًا ويدركه الناقد الفنان الحصيف.. نفس الأمر أدركه الناقد الكبير الدكتور علي الراعي في دراسته الممتعة عن رواية الصياد واليمام –انظر كتابه الرائع عن الرواية العربية-، والحقيقة أن عددًا كبيرًا من النقاد أدرك هذا الأمل رغم أن ناقدًا كبيرًا مثل الدكتور لويس عوض كان يتهم جيلنا بالإنهزامية. لكن المرحوم لويس عوض لم يكن يقرأنا…
في ندوة حول رواية البلدة الأخرى في مؤتمر الرواية الذي أقيم بجامعة القاهرة في بداية عام 1992 تحدث الدكتور جابر عصفور وقال: إننا عندما نصل إلى نهاية رواية البلدة الأخرى ونجد طائرتين أمريكيتين بدلاً من طائرة واحدة نجد أنفسنا مدفوعين لإعادة قراءة الرواية مرة أخرى لفهمها في إطار هذا المعنى الجديد.. لكني أعترف لك أيها القارئ أن كل هذه الإستبصارات لم تكن من تخطيطي، إنما هي كما قلت لك نبت الإحساس الرابض في روحي باستمرار الكارثة. لكننا أبدًا لن ندخل في الممات. هذا أيضًا موجود في روحي وإن كانت طبقته عميقة تظهر على استحياء. لقد قلت لأحد الصحفيين حول الصبي “علي” الذي كان يلقي بأحجار يود لو لم تنزل إنني لم أكن أتنبأ بشئ، ولم أكن أتنبأ بثورة الحجارة بالتحديد، لكن “علي” الصبي يفعل ما يفعله الصبية في الخلاء، وإن كان يبدو متألمًا من استسلام الكبار من حوله لظروفه الصعبة ويود معرفة سبب ما يقع لهم من بلاء. ونفس الشئ قلته الآن لك عن استبصارات تالية بنت الإحساس العميق بالكارثة التي لونت نظرة جيلي منذ 1967، ولقد قلت ذلك في حديث قريب للصحفي الشاب النابه يسري حسّان في مجلة “حريتي” عندما أدرك ما جاء في الحلقة الثانية من هذه الرواية حيث نشرت بمجلة “نصف الدنيا” من استبصار بالزلزال..
والآن ما علاقة هذا كله الذي قلته لك بالرواية، لا أعرف، لكنه قد يكون مفيدًا أن نعرف شيئًا عن الظروف التي أحاطت بهذه الرواية قبل كتابتها وبعدها. أما أثناءها فلم يكن هناك إدراك عميق عندي بما أكتب، هكذا جرت العادة، لكني كنت أشعر بأشياء كثيرة كانت في يدي طارت مثل عصافير ملونة واختفت في الفضاء، وبين يديك الرواية قد تعرف منها الطيور التي طارت ولم تعد والطيور التي بقيت في الأرض.

الجيزة: صباح 1992/ 12 / 31


Dec 22

نبتة الشوك - جيمس تيت

(من مجموعته القصصية القصيرة، أحلام نحلة آلية راقصة)
ترجمة: خالد الجبيلي

كنت جالساً في عريني منهمكاً في قراءة مقالة عن تأثيرات السيبيرفيليا المدمرة على الأسرة الأمريكية المعاصرة، أو ما تبقّى منها. وإذا كنتَ لا تعرف ما معنى “سيبيرفيليا” حتى الآن، فهي الشعور القسري بالعمل على جهاز الكمبيوتر، وتفضيله على أي عمل آخر (أما أنا فلا أملك جهاز كمبيوتر، ولدي رهاب منه). ومع ذلك، فقد كنت شديد الاهتمام بقراءة هذه المقالة، مفكراً بتلذذ بأن تنبؤاتي قد تحققت أخيراً، عندما دخلت إيلين وراحت تنبح عليّ: “بول، أرجو أن تحرّك مؤخرتك من فوق الكرسي، وأن تخرج إلى الكراج وأن تقتلع نبتة الشوك اللعينة. وإذا كنت قد طلبت منك أن تقطعها مرة، فقد طلبت منك ذلك عشرات المرات”.

“ماذا فعلت لكِ هذه النبتة؟ “أجبتها، كما كنت أجيبها عادة على جميع طلباتها لي التي لم تتوقف طوال الأسبوع. ليس مسموحاً لي أن أقرأ مقالة بهدوء وسلام في غرفة مكتبي. لقد عملت دون توقف طوال سنوات كثيرة منتظراً اللحظة التي تتاح لي فيها الفرصة لكي أقرأ مقالة من بدايتها حتى نهايتها بهدوء وبدون إزعاج بعد ظهر أيام السبت الحارة ذات الرطوبة الخانقة. لكن لا، فعندما تريد إيلين أن تُقتلع نبتة الشوك من الكراج، عندها يجب أن أتوقف عن عمل أي شيء أقوم به، وأن أطيع أوامرها، وإلا فلن أنعم بالهدوء والسلام. وهكذا تلاشت متعتي في القراءة عن المآسي المحلية الناجمة عن الوله في استخدام جهاز الكمبيوتر. إن إيلين تضرب عرض الحائط بأي شيء يمكن أن يدخل المتعة إلى نفسي، ولا تفهم رغبتي التي لا يمكن إنكارها، بل رغبتي المستميتة في أن أبدي اهتماماً بشيء حقيقي. “إيلين”، قلت لها، في محاولة أخيرة يائسة أعرف أنها محكومة بالفشل، لكي أهزم الجنرال: “لا أظن أن هذه الأشواك ستمزّق غطاء السيارة… حسناً، حسناً، سأذهب…”.

ألقيت المجلة التي كنت أقرأها، وهكذا حرمت من قراءة الإحصائيات الشيقة، ومن قراءة نماذج عن قصص الرعب عن الأطفال الذين لم يكلموا آباءهم منذ سنوات، والأزواج الذين فقدوا أي دافع للجنس، وما إلى ذلك. ذاك النوع من القصص التي تجعلني أشعر بالارتياح في قرارة نفسي، والتي تثبت أنني كنت محقاً بعدم تعلم ما جلبته تلك الثورة. لا، بل يجب عليّ أن أذهب إلى ذلك الكراج الحار الخانق؛ وأن أشق طريقي متعثراً بين أكوام الخرق الملوثة بالزيت والمليئة بالزنابير والدبابير ذات النشاط المفرط، لأبحث عن آلة القص– كلّ ذلك لأتمكن من تدمير شعار اسكتلندا الوطني. لكنني الآن لست سوى جبان مطيع. إنني أعاني من أحد أشكال العبودية المعدّلة.

وهكذا عثرت على مكان آلة القص، كما كنت أتوقّع، تحت جبل من الخرق الملوثة بالزيت، ولم يبق نوع من أنواع الزنابير والدبابير إلا وطنّ وأزّ في أذني، وأمعن في تعذيبي، وبما أن لدي حساسية إزاء جميع السموم التي تبثها هذه الدبابير، يحق لي أن أعتبر أن هذه المهمة تهدد حياتي. لدغة واحدة ويقضى علي. كل هذا من أجلك يا إيلين: أعداد مجلة ناشيونال جيوغرافيك منذ سنوات طويلة، كلّها لك، ذلك الكنز. الصناديق الستّة المليئة بنشرات عن السفر والرحلات، كلّها لك. الزبالة الكثيرة التي يثبت المرء من خلالها أنه موجود. لا شك في أن مصيرها جميعاً سيكون في علبة القمامة قبل أن تتوقف عظامي عن الاهتزاز. كلّ هذه الزبالة العزيزة، ستتغير مع زبالة الرجل القادم. بحق الجحيم لماذا لا تدعيني وشأني، وتدعيني أواصل قراءة ذلك الخبر عن الرجل الأنيق الذي مات جوعاً أمام جهازه المايكرو الإلكتروني. لا، لا، لا، لا يمكن أن يكون الأمر هكذا.

في أيام السبت، لا تحب إيلين شيئاً أكثر من أن تصدر أوامرها لي لكي أقتل أشياء، أو لكي أُقتل أنا: تلك الدبابير المعششة فوق درفات الشبابيك، اقتلها. لقد تسلل ذاك الظربان(حيوان ثديي صغير نتن الرائحة) إلى علبة القمامة مرة أخرى الليلة الماضية: ابحث عنه واقتله (أو لينفث رائحته عليك). أو من الأفضل دعه يعضك، وليحقنوك بسلسلة من الحقن القبيحة ضد مرض الكلب – وخاصة أنك تخشى الإبر على نحو مميت - انهض يا بول، بول، ضع من يدك هذه المجلة التي تحبها؛ بول، اذهب إلى خط الجبهة. بول جازف بحياتك. مهما كنت تفعل يا بول، لا تدعني أراك في وضعية تكون مرتاحاً فيها، سالماً، أو ساهماً في إحدى تنبؤاتك.

وهكذا إذن، ها أنا أخيراً، أقف أمام هذه النبتة الجميلة المهيبة، التي يكاد يصل ارتفاعها إلى ثلاثة أقدام ونصف القدم، ويؤسفني أن أقول إنها مزهرة على نحو رائع. بدأت أدرك بثقة أكبر، أنه حكم مطلق بالإعدام بدون رحمة. كنت أفضّل أنّ تأمرني بأن أعبر الشارع وأقطع رقبة كلب جارنا. نعم، كان من الممكن أن أقبل هذا الأمر بسرور لأن لهذا المخلوق رغبة شنيعة لا شفاء منها في العواء والنباح على القمر، الذي جعلنا نستيقظ طوال ليلة البارحة (بل لأكون أكثر دقة، معظم السنوات الستّ الماضية). لكن نبتة الشوك الجميلة إلى درجة تدعو للدهشة، التي نبتت هنا بمحض الصدفة، وبما أنه يبدو أن الصدفة هي إلهنا الجديد، فلماذا تأمريني بأن أخاطر بتحمّل غضب – إلهنا – الجديد، الذي ربما استشاط غضباً والذي يصبح فظيعاً وقاسياً عندما يغضبه أحد؟ إنها نزوة إيلين: بول، أخرج واقطع تلك النبتة الشوكية في الكراج. “لماذا، يا عزيزتي؟ لماذا يجب علي أن أقطع تلك النبتة؟ “لأنني قلت لك ذلك، يا بول. الآن، افعل ما أقوله لك حالاً قبل أن يجن جنوني!

بدأ المطر يتساقط. وبينما كنت أقف هنا أمام هذه الزهرة الأرجوانية الرقيقة، أحمل أوامر بالقضاء عليها، بدأت الغيوم التي تنذر بعاصفة شديدة تتجمع فوق التلال. بدأت أشعر بجهاز قياس الضغط يهبط كل دقيقة، وبدأت أشعر بالدوار. كانت هذه العواصف الكهربائية الصيفية قد بدأت تحدث هذا التأثير عليّ منذ السنتين الماضيتين. لم يحدث أن أغمي عليّ من قبل، لكني أشعر وكأنه سيغمى عليّ الآن، وهو شيء بغيض. ربما أغمي عليّ ولم أفق ثانية. عندها ستضطر إيلين لأن تقوم بجميع أعمال القتل بنفسها. هل سينتابها إحساس مختلف آنذاك؟ ربما كان ذلك جيداً بالنسبة لها. فبعد أول إراقة للدماء تقوم بها، مثل أن تصبّ سمّ الحلزون في داخل جحر الخلد، لكي تبدأ جميع تلك المخلوقات الصغيرة العمياء ذات الأنوف التي تشبه النجمات، تخرج لاهثة طلباً للهواء، وربما عندها ستتوقف عن ذلك، وتصبح القديسة الشفيعة لجميع الحشرات والحيوانات الصغيرة والأشواك.

بدأ الآن البرق يومض في السماء، وبدأت تصدر تلك القعقعة العميقة التي تسبق دائماً غضب ذلك الانفجار الصيفي. كنت أجد متعة في سماعها عندما كنت طفلاً. كنت أشعر بالشجاعة وأنا أهدئ من روع أمّي التي كان ينتابها الفزع عندما ترى وميض البرق. (آنذاك عندما كان خيال الطفل قاصراً: فقد كنت أعتقد أنه لن يصيبني) أما الآن، أضف شيئاً آخر إلى قائمتي التي تتزايد يوماً بعد يوم … حسناً، لن أدعوها رهاباً، بل أشياء لا تسرني. في هذه اللحظة، أشعر بأنني سأنقلب على عقبي ويقضى عليّ، ولن تعود نبتة الشوك الذبيحة على قائمة الجرائم التي ارتكبتها عندما أنتقل إلى تشانسيفيل.

لكنني إذا عدت أدراجي إلى البيت، وأخبرت الجنرال بأنني لم أنفذ أوامرها، فثمة احتمال كبير بأن تقتلني هي نفسها، أو على الأقل، سأكون واثقاً من أنها لن تدعني أمسك تلك المجلة ثانية لكي أعرف كيف أصبحت حياة الناس الآخرين المعاصرين في حالة يرثى لها. نعم سأجازف. وسأخبرها بأن هذا الأمر يجب أن يتوقّف، كلّ هذا القتل. لقد حددت موقفي أخيراً، بشأن نبتة الشوك تلك.


Page 1 of 3